جرائم الذكاء الاصطناعي في القانون المصري: المسؤولية عن الصور والفيديوهات المزيفة
جرائم الذكاء الاصطناعي في القانون المصري: المسؤولية عن الصور والفيديوهات المزيفة
جرائم الذكاء الاصطناعي في القانون المصري: المسؤولية عن الصور والفيديوهات المزيفة
أصبح الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة من أكثر التقنيات تأثيرًا في الحياة اليومية، بعدما انتقل من نطاق التطبيقات العلمية والبحثية إلى الهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية. ومع التطور المتسارع ظهرت تقنيات تستطيع إنشاء صور وفيديوهات وأصوات شديدة الواقعية لأشخاص حقيقيين، وهو ما أدى إلى انتشار ما يعرف باسم المحتوى المزيف أو الـDeepfake.
وتكمن الخطورة القانونية في أن الصورة أو الفيديو المصنوع بواسطة الذكاء الاصطناعي قد يبدو حقيقيًا رغم أن الشخص الظاهر فيه لم يرتكب الفعل المنسوب إليه، وقد يستخدم هذا المحتوى في التشهير أو الابتزاز أو الانتقام أو الإساءة إلى السمعة أو انتهاك الخصوصية أو تحقيق مكاسب مالية غير مشروعة.
وفي مصر لا يعني استخدام الذكاء الاصطناعي أن الفعل أصبح خارج نطاق التجريم. فالقانون ينظر إلى السلوك والنتيجة والقصد والوسيلة المستخدمة، وليس فقط إلى الأداة التقنية التي ارتكب بها الفعل. لذلك يمكن أن يخضع إنشاء أو نشر صورة أو فيديو مزيف للمساءلة القانونية متى توافرت عناصر جريمة منصوص عليها في القوانين المصرية.
ويأتي قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 في مقدمة التشريعات التي يمكن الاستناد إليها في التعامل مع عدد من هذه الوقائع، إلى جانب النصوص الواردة في قانون العقوبات والتشريعات المرتبطة بحماية الخصوصية والبيانات الشخصية.
ومن هنا تبرز أهمية معرفة عقوبة الصور والفيديوهات المزيفة في القانون المصري، ومتى يتحول استخدام الذكاء الاصطناعي من مجرد تجربة تقنية أو محتوى ترفيهي إلى فعل يترتب عليه مسؤولية جنائية ومدنية.
ما المقصود بالصور والفيديوهات المزيفة باستخدام الذكاء الاصطناعي؟
يقصد بالصور أو الفيديوهات المزيفة تلك المواد الرقمية التي يتم إنتاجها أو تعديلها باستخدام برامج وتقنيات تعتمد على الذكاء الاصطناعي بهدف إظهار شخص أو صوت أو واقعة بصورة تختلف عن الحقيقة.
وقد يتم تركيب وجه شخص على جسد شخص آخر، أو تغيير ملامح الوجه، أو تحريك صورة ثابتة، أو إنتاج فيديو يظهر فيه شخص وكأنه يتحدث بعبارات لم يقلها، أو تركيب صوت مشابه لصوت شخص حقيقي، أو دمج صور ومقاطع بطريقة توحي بوقوع واقعة لم تحدث أصلًا.
وتزداد الخطورة عندما يكون الشخص الظاهر في المحتوى شخصية عامة أو موظفًا أو رجل أعمال أو فنانًا أو شخصية لها حضور اجتماعي، لأن انتشار المحتوى قد يحدث خلال دقائق ويصعب أحيانًا السيطرة على عمليات إعادة النشر.
ولا يشترط أن تكون التقنية المستخدمة متقدمة للغاية حتى تنشأ المسؤولية القانونية؛ فالعبرة بطبيعة الفعل والنتيجة التي ترتبت عليه، وليس بمستوى احتراف البرنامج المستخدم.
هل يوجد قانون مصري خاص بالـDeepfake؟
حتى الوقت الحالي، لا يوجد تشريع مصري مستقل يضع تعريفًا خاصًا بجريمة الـDeepfake تحت هذا الاسم ويحدد لها عقوبة منفصلة في كل صورها.
لكن هذه الحقيقة لا تعني وجود فراغ تشريعي كامل.
فالقوانين القائمة تحتوي على نصوص يمكن تطبيقها بحسب ظروف كل واقعة، وعلى رأسها قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018. وقد نصت المادة 25 منه على تجريم نشر معلومات أو أخبار أو صور وما في حكمها تنتهك خصوصية أي شخص دون رضاه، سواء كانت المعلومات المنشورة صحيحة أو غير صحيحة، فضلًا عن صور أخرى من الاعتداء على الحياة الخاصة.
ويعني ذلك أن كون الصورة أو الفيديو “مزيفًا” لا يمنح ناشره حصانة قانونية، بل قد يكون عنصر عدم الحقيقة نفسه جزءًا من خطورة المحتوى إذا استخدم للإضرار بالضحية أو انتهاك خصوصيتها.
المسؤولية الجنائية عن نشر الصور والفيديوهات المزيفة
تتحدد المسؤولية الجنائية وفقًا لمجموعة من العناصر، أهمها كيفية الحصول على المادة الأصلية، وكيفية تعديلها، والغرض من إنشاء المحتوى، وطريقة نشره، والأثر الذي ترتب عليه.
فإذا استخدم شخص صورة حقيقية لإنشاء فيديو مزيف ثم نشره على إحدى المنصات بما ينتهك خصوصية صاحب الصورة، فقد يدخل الفعل في نطاق المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات بحسب ظروف الواقعة.
أما إذا تم استخدام البرنامج المعلوماتي لمعالجة بيانات شخصية لشخص آخر وربطها بمحتوى منافٍ للآداب العامة أو عرضها بطريقة من شأنها المساس باعتباره أو شرفه، فقد تبرز المادة 26 من القانون ذاته، والتي تقرر عقوبة أشد من العقوبة المقررة في المادة 25.
ومن ثم، لا توجد “عقوبة واحدة” لكل فيديو مزيف. فالتكييف يتغير بحسب الواقعة.
ماذا تقول المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات؟
تعتبر المادة 25 من أهم النصوص التي يمكن أن تمتد إلى بعض وقائع الصور والفيديوهات المزيفة.
وقد قررت العقوبة بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، والغرامة التي لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، بالنسبة إلى أفعال من بينها انتهاك حرمة الحياة الخاصة أو نشر معلومات أو أخبار أو صور وما في حكمها تنتهك خصوصية أي شخص دون رضاه، سواء كانت المعلومات المنشورة صحيحة أو غير صحيحة.
وتكتسب عبارة “سواء كانت المعلومات المنشورة صحيحة أو غير صحيحة” أهمية كبيرة عند دراسة المحتوى المصطنع بالذكاء الاصطناعي؛ لأن عدم صحة المحتوى لا يمنع قيام المسؤولية إذا تحققت باقي عناصر الجريمة.
وعلى سبيل المثال، إذا تم إنشاء صورة مزيفة لامرأة وإظهارها في موقف شخصي لم يحدث، ثم نشرت الصورة عبر حساب إلكتروني بهدف الإساءة إليها، فإن كون الصورة مصطنعة لا يمنع بحث مدى انطباق النص الجنائي.
متى تطبق المادة 26 على الصور والفيديوهات المصطنعة؟
المادة 26 تتناول صورة أكثر خطورة من صور استخدام التقنية، إذ تعاقب على تعمد استعمال برنامج معلوماتي أو تقنية معلوماتية في معالجة معطيات شخصية للغير لربطها بمحتوى منافٍ للآداب العامة أو لإظهارها بطريقة من شأنها المساس باعتباره أو شرفه.
وتصل العقوبة وفق النص إلى الحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز خمس سنوات، والغرامة من مائة ألف جنيه إلى ثلاثمائة ألف جنيه، أو إحدى هاتين العقوبتين.
وتظهر أهمية هذا النص في الوقائع التي يتم فيها استخدام بيانات أو صور شخص حقيقي، ثم توظيفها عبر برنامج معلوماتي بطريقة تمس شرفه أو اعتباره.
ولذلك قد تكون تقنية الذكاء الاصطناعي مجرد وسيلة فنية لتنفيذ السلوك الإجرامي، بينما يكون التجريم مستندًا إلى النتيجة والفعل الذي حدده القانون.
الصور المزيفة والاعتداء على حرمة الحياة الخاصة
يحظى الحق في الخصوصية بحماية قانونية مستقلة، وقد نظم قانون العقوبات عددًا من الأفعال التي تمثل اعتداءً على الحياة الخاصة.
وتنص المادة 309 مكرر من قانون العقوبات على تجريم بعض صور الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة، ومنها التقاط أو نقل صورة شخص في مكان خاص بغير رضاه وفي غير الأحوال المصرح بها قانونًا.
وهنا يجب التفرقة بين مرحلتين مختلفتين: مرحلة الحصول على الصورة الأصلية، ومرحلة إنشاء الصورة المزيفة أو نشرها.
فقد تكون الصورة الأصلية قد التقطت بطريقة مشروعة، لكن استخدامها لاحقًا في تركيب أو معالجة رقمية قد يخلق مسؤولية قانونية مستقلة بحسب ظروف النشر والمضمون والضرر.
وفي المقابل، قد تبدأ الواقعة أصلًا بالتصوير غير المشروع داخل مكان خاص، ثم يتم استخدام الصورة في صناعة فيديو مزيف أو محتوى مسيء.
هل الصورة المزيفة تعتبر قذفًا أو سبًا؟
قد تثير الصورة أو الفيديو المصطنع مسؤولية عن جرائم أخرى إذا تضمن إسناد واقعة معينة إلى المجني عليه من شأنها أن تجعله محلًا للعقاب أو الاحتقار، أو تضمنت عبارات أو مضمونًا يمس الشرف والاعتبار.
وهنا يمكن أن تدخل نصوص القذف والسب في قانون العقوبات بحسب مضمون المحتوى وطريقة عرضه.
وتنظم المادة 308 مكرر بعض صور القذف والسب التي تتم عن طريق الهاتف، مع ارتباطها بالعقوبات المقررة في المواد الخاصة بالقذف والسب.
وبالتالي فإن استخدام صورة مزيفة لا يلغي بالضرورة المسؤولية عن القذف إذا كانت طريقة تقديمها تحمل إسنادًا محددًا لواقعة من شأنها المساس بسمعة الشخص.
الذكاء الاصطناعي والابتزاز الإلكتروني
من أخطر صور استخدام الفيديوهات المزيفة أن يقوم الجاني بإنشاء محتوى مسيء ثم يهدد الضحية بنشره مقابل الحصول على المال أو إجبارها على تنفيذ طلب معين.
في هذه الحالة لا تتوقف المسؤولية عند إنشاء الصورة أو الفيديو، وإنما قد تتعدد الجرائم بحسب تفاصيل الواقعة، ومن بينها التهديد والابتزاز وانتهاك الخصوصية واستخدام وسائل الاتصال في ارتكاب الجريمة.
وقد أرست محكمة النقض مبدأ مهمًا بشأن التهديد باستخدام الوسائط الإلكترونية، مؤكدة أن التهديد المكتوب يمكن أن يتحقق من خلال الوسائط الإلكترونية الحديثة متى توافرت عناصر الجريمة، وذلك في الطعن رقم 22620 لسنة 88 قضائية، جلسة 9 يوليو 2020.
وهذا المبدأ يكتسب أهمية عملية في عصر الرسائل الفورية ومنصات التواصل الاجتماعي، لأن وسيلة ارتكاب التهديد لا تمنع تطبيق النص طالما تحققت عناصر الجريمة.
نموذج عملي: فيديو مزيف بهدف الابتزاز
لنفترض أن شخصًا حصل على مجموعة صور عادية لامرأة من حسابها على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، ثم استخدم برنامجًا يعتمد على الذكاء الاصطناعي لإنشاء فيديو مزيف يظهرها في وضع مسيء، وبعد ذلك أرسل إليها الفيديو وطلب مبلغًا ماليًا مقابل عدم نشره.
هنا توجد عدة عناصر يجب فحصها قانونيًا:
أولًا: مصدر الصور الأصلية وكيف حصل المتهم عليها.
ثانيًا: البرنامج أو الوسيلة التي استخدمت في إنشاء الفيديو.
ثالثًا: طبيعة المحتوى المصطنع.
رابعًا: الرسائل التي تضمنت طلب المال.
خامسًا: الحساب أو الهاتف أو الجهاز المستخدم.
سادسًا: عمليات الإرسال أو النشر التي تمت بالفعل.
وفي مثل هذه الحالة يمكن أن تتعدد الأوصاف القانونية وفقًا لما تثبته التحقيقات والأدلة الرقمية.
موقف محكمة النقض من نشر الصور الخاصة
من الأحكام المهمة في هذا السياق ما ورد في الطعن رقم 3956 لسنة 91 قضائية، جلسة 26 فبراير 2023، حيث تناولت محكمة النقض واقعة تضمنت التهديد بإفشاء أمور مخدشة بالشرف، واستعمال صور خاصة متحصلة عن طريق النقل بجهاز الهاتف المحمول، والتعدي على حرمة الحياة الخاصة، وتعمد إزعاج المجني عليه بواسطة أجهزة الاتصالات.
وأوضحت المحكمة في قضائها كيفية التعامل مع التداخل بين الجرائم المرتبطة بالصور الخاصة والتهديد والاتصالات، وانتهت إلى تصحيح العقوبة فيما يتعلق بالوصف الذي طبقته المحكمة.
وتفيد هذه السابقة في فهم أن الصور الخاصة عندما تدخل في سياق تهديد أو ابتزاز لا يتم التعامل معها باعتبارها مجرد ملفات رقمية، وإنما ينظر القضاء إلى مجموعة الأفعال والنتائج المرتبطة بها.
حكم نقض مهم بشأن الخصوصية والمحتوى المنشور
أكدت مبادئ محكمة النقض في أحد الأحكام المرتبطة بالمادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات أن تقدير حقيقة المعلومات والأخبار ومدى تعلقها بالحياة الخاصة للمجني عليه يخضع لمحكمة الموضوع، مع خضوع التكييف القانوني ورقابة تطبيق القانون لمراجعة محكمة النقض.
كما أوضحت المحكمة أن مجرد نشر محتوى عبر مواقع التواصل لا يعني تلقائيًا وقوع جريمة المادة 25؛ بل يجب أن يكون المحتوى من شأنه انتهاك الخصوصية وفقًا لما تثبته أوراق الدعوى.
وهذا المبدأ بالغ الأهمية عند التعامل مع الذكاء الاصطناعي، لأن وجود صورة أو فيديو مصطنع وحده لا يكفي لتحديد المسؤولية، وإنما يجب فحص مضمونه والغرض من استخدامه ومدى انطباق النص القانوني عليه.
هل مجرد إنشاء صورة Deepfake جريمة؟
الإجابة ليست واحدة في جميع الحالات.
إذا قام شخص بإنشاء صورة خيالية باستخدام الذكاء الاصطناعي دون استخدام بيانات شخص حقيقي ودون نشر محتوى يجرمه القانون ودون الاعتداء على حق من حقوق الغير، فقد لا تتوافر جريمة بمجرد عملية الإنشاء.
لكن الوضع يختلف عندما يستخدم الشخص صورة أو صوت أو بيانات شخص حقيقي لإنشاء محتوى يمس خصوصيته أو شرفه أو سمعته، ثم يقوم بتداوله أو نشره أو استخدامه في التهديد أو الابتزاز.
لذلك يجب دائمًا التفرقة بين إنشاء محتوى اصطناعي لأغراض مشروعة وبين توظيف الذكاء الاصطناعي كوسيلة للاعتداء على الغير.
المسؤولية عن إعادة نشر الفيديو المزيف
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن المسؤولية تقع فقط على الشخص الذي أنشأ الفيديو.
في الواقع، قد يكون الشخص الذي يعيد نشر المحتوى معرضًا للمساءلة بحسب علمه بالمحتوى ودوره في تداوله والظروف المحيطة بالفعل والنص القانوني المنطبق.
فإذا علم المستخدم أن الفيديو مزيف ومسيء، ومع ذلك تعمد نشره على نطاق واسع بهدف التشهير أو الإضرار بالضحية، فإن مسؤوليته تحتاج إلى بحث مستقل عن مسؤولية المنشئ الأول.
ومن هنا يجب عدم التعامل مع زر “مشاركة” باعتباره وسيلة تعفي المستخدم من أي مسؤولية قانونية.
ماذا تفعل إذا اكتشفت صورة أو فيديو مزيفًا لك؟
يجب في البداية عدم الدخول في مفاوضات مالية مع الشخص الذي يستخدم المحتوى للابتزاز.
كما ينبغي الاحتفاظ بالأدلة الرقمية قبل حذفها، بما يشمل لقطات الشاشة، والروابط، وأسماء الحسابات، وأرقام الهواتف، والرسائل، وتوقيتات الإرسال، وأي طلبات مالية.
ومن الأفضل عدم تعديل الأدلة أو اقتصاصها بصورة تفقدها بعض البيانات المهمة.
بعد ذلك يمكن اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة، مع أهمية الاستعانة بمحامٍ لديه خبرة في جرائم تقنية المعلومات لفحص الواقعة وتحديد الأوصاف الجنائية المحتملة.
وتوفر مؤسسة حورس للمحاماة خدمات قانونية متخصصة في التعامل مع القضايا الجنائية والجرائم الإلكترونية، ويمكن الاطلاع على الخدمات والمعلومات القانونية عبر الموقع الرسمي للمؤسسة:

دور الدكتور عبد المجيد جابر المحامي بالنقض في قضايا الجرائم الإلكترونية
يحتاج هذا النوع من القضايا إلى قراءة دقيقة للتفاصيل التقنية والقانونية معًا، لأن تحديد النص القانوني الصحيح يتوقف على طبيعة الفعل والأدلة وطريقة النشر والضرر الناتج عنه.
ويقدم الدكتور عبد المجيد جابر المحامي بالنقض من خلال مؤسسة حورس للمحاماة رؤية قانونية للتعامل مع المنازعات والوقائع التي تتصل بالجرائم الإلكترونية وانتهاك الخصوصية والتشهير والابتزاز باستخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة.
ولا ينبغي النظر إلى القضية الإلكترونية باعتبارها مجرد منشور على موقع تواصل اجتماعي؛ فقد تحمل الواقعة آثارًا جنائية ومدنية متعددة، ويحتاج صاحب الحق إلى تحديد الإجراء المناسب منذ اللحظة الأولى.
دور الأدلة الرقمية في إثبات جريمة الصور المزيفة
الأدلة الرقمية تمثل عنصرًا بالغ الأهمية في هذه النوعية من القضايا.
فقد تكون المحادثة الإلكترونية، أو البريد الإلكتروني، أو بيانات الحساب، أو رقم الهاتف، أو الجهاز المستخدم، أو بيانات الدخول، أو آثار النشر، أو النسخ المتداولة، عناصر تساعد جهات التحقيق على تحديد مرتكب الفعل.
كذلك يمكن أن تكتسب تقارير الفحص الفني أهمية كبيرة في إثبات العلاقة بين الحساب والمتهم، أو تحديد الأجهزة والبيانات محل الفحص، أو تفسير بعض الآثار الرقمية.
ولا ينبغي للضحية حذف الرسائل أو الحسابات أو الملفات التي تحتوي على الأدلة قبل استشارة المختص؛ لأن التخلص من بعض البيانات قد يصعب عملية الإثبات لاحقًا.
هل لقانون حماية البيانات الشخصية علاقة بالـDeepfake؟
يمكن أن تظهر صلة قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020 عندما تتضمن الواقعة معالجة أو استخدامًا غير مشروع لبيانات شخصية، بحسب طبيعة البيانات والفاعل والغرض من المعالجة ومدى انطباق أحكام القانون.
وقد صدر القانون لتنظيم حماية البيانات الشخصية ومعالجتها، بما يعكس الاتجاه التشريعي المصري نحو حماية البيانات في البيئة الرقمية.
وعند استخدام صورة أو صوت أو معلومات مرتبطة بشخص معين ضمن عملية رقمية، يجب فحص ما إذا كانت الواقعة تدخل في نطاق البيانات الشخصية والالتزامات القانونية المرتبطة بمعالجتها.
نموذج عملي آخر: انتحال شخصية باستخدام الذكاء الاصطناعي
قد يقوم شخص بإنشاء حساب إلكتروني ينتحل اسم وصورة أحد الأشخاص، ثم يستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنشاء صور وفيديوهات وصوت مشابه للضحية، ويتواصل مع الآخرين باعتباره الشخص الحقيقي.
في هذه الحالة لا تكون المشكلة مجرد “صورة مزيفة”، وإنما قد تنشأ وقائع أخرى مرتبطة بانتحال الهوية أو الاحتيال أو الإضرار بالسمعة أو استخدام بيانات الغير، بحسب ما وقع فعليًا.
ويصبح من الضروري جمع الأدلة المتعلقة بالحسابات والرسائل والأرقام والأجهزة والعمليات المالية إن وجدت.
نموذج عملي ثالث: نشر فيديو مزيف لشخصية عامة
إذا تم إنتاج فيديو باستخدام الذكاء الاصطناعي يظهر شخصية عامة وهي تدلي بتصريحات لم تصدر عنها، فإن المسؤولية تتوقف على مضمون الفيديو وطريقة نشره والغرض منه والآثار التي ترتبت عليه.
فإذا كان المحتوى مجرد تجربة فنية واضحة لا توحي للجمهور بأنها حقيقية، تختلف المسألة عن فيديو مصطنع يقدم باعتباره تسجيلًا حقيقيًا بهدف تضليل الجمهور أو الإساءة إلى الشخص أو تحقيق منفعة غير مشروعة.
لهذا السبب يعتبر السياق عنصرًا أساسيًا في التكييف القانوني.
هل يمكن المطالبة بتعويض عن الفيديو المزيف؟
نعم، قد تنشأ مسؤولية مدنية إلى جانب المسؤولية الجنائية إذا تسبب الفعل في ضرر مادي أو أدبي للمتضرر، وفقًا للقواعد العامة للمسؤولية المدنية وظروف الواقعة.
فالضرر قد يتمثل في خسارة مالية، أو فقدان فرصة عمل، أو الإضرار بعلاقة تجارية، أو المساس بالسمعة، أو الأذى النفسي والمعنوي، أو غير ذلك من الأضرار التي يمكن إثباتها قانونًا.
وتختلف قيمة التعويض وطريقة المطالبة به من واقعة إلى أخرى، ولذلك لا يصح وضع رقم ثابت للتعويض عن كل فيديو مزيف.
هل يمكن طلب حذف الصور والفيديوهات المزيفة؟
قد تتضمن الإجراءات القانونية طلب اتخاذ تدابير مناسبة تجاه المحتوى محل الشكوى بحسب طبيعة الواقعة والجهة المختصة والإجراءات المتاحة.
ومن الناحية العملية، يجب توثيق المحتوى أولًا قدر الإمكان قبل اتخاذ أي خطوة تؤدي إلى اختفائه، لأن إثبات وجود المحتوى وتحديد مصدره وتوقيت نشره قد تكون أمورًا مؤثرة في القضية.
كما أن سرعة التصرف مهمة بسبب طبيعة الإنترنت وسهولة إعادة نشر المحتوى من حساب إلى آخر.
العلاقة بين حرية التعبير والمسؤولية عن المحتوى المزيف
حرية التعبير حق تحميه القواعد الدستورية والقانونية، لكنها ليست ترخيصًا لانتهاك الحياة الخاصة أو الاعتداء على شرف الآخرين.
وقد تناولت محكمة النقض هذه المسألة عند تفسير المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، مؤكدة أن حرية الصحافة لا تكون إلا في حدود احترام حريات الغير، وأن تقييم ما إذا كانت المعلومات تمس الحياة الخاصة من المسائل التي ترتبط بظروف الدعوى.
ويعني ذلك أن استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى يجب ألا يتحول إلى وسيلة لإهدار حقوق الأشخاص تحت غطاء حرية التعبير.
كيف يحدد المحامي الوصف القانوني للفيديو المزيف؟
تبدأ الدراسة القانونية بفحص الواقعة من جميع جوانبها.
يتم أولًا تحديد الشخص الظاهر في المحتوى ومدى صلته بالمادة الأصلية.
بعد ذلك يجري فحص طريقة الحصول على الصور أو التسجيلات، ثم طريقة إنتاج الفيديو أو تعديله، ثم وسيلة النشر والتداول.
ويتم كذلك بحث ما إذا كان هناك تهديد أو طلب مالي أو ابتزاز أو تشهير أو انتحال شخصية أو انتهاك للخصوصية.
وأخيرًا تتم مطابقة الوقائع مع النصوص القانونية المناسبة، مع فحص الأدلة الرقمية والتقارير الفنية.
هذه الخطوات تمنع التعامل مع القضية بصورة سطحية، لأن نفس الفيديو يمكن أن ينتج عنه أكثر من وصف قانوني بحسب الظروف المحيطة به.
أهمية محضر الشرطة في جرائم الصور المزيفة
عند تعرض شخص لجريمة إلكترونية، فإن تحرير المحضر يمثل خطوة إجرائية مهمة، لكن قوة البلاغ لا تعتمد فقط على سرد الواقعة.
يجب تقديم أكبر قدر ممكن من البيانات والأدلة المتاحة بصورة منظمة، مثل روابط الحسابات، وأسماء المستخدمين، وأرقام الهواتف، وصور المحادثات، وتواريخ النشر، وأي رسائل تهديد أو طلبات مالية.
كما ينبغي توضيح طبيعة الضرر الذي حدث، خصوصًا إذا أدى المحتوى إلى خسائر مالية أو مشاكل وظيفية أو تجارية أو اجتماعية.
ما الأخطاء التي يجب تجنبها؟
من أكثر الأخطاء خطورة حذف الرسائل أو الحسابات قبل حفظ الأدلة.
كذلك لا ينصح بإعادة نشر الفيديو على نطاق أوسع بهدف التحذير منه، لأن ذلك قد يؤدي إلى زيادة انتشاره.
ولا ينبغي دفع الأموال للمبتز باعتبار أن الأمر سينتهي بمجرد الدفع؛ فقد يطلب مبالغ إضافية بعد ذلك.
كما يجب تجنب إرسال بيانات أو صور إضافية إلى الشخص المبتز.
ويظل التعامل القانوني المبكر أكثر فاعلية من الانتظار حتى يصل المحتوى إلى عدد كبير من المستخدمين.
أسئلة شائعة عن جرائم الذكاء الاصطناعي والصور المزيفة
هل الـDeepfake جريمة في مصر؟
ليس هناك حتى الآن نص مستقل يحمل اسم “جريمة Deepfake” في التشريع المصري، لكن الفعل قد يخضع لعدد من النصوص الجنائية القائمة بحسب مضمونه وطريقة ارتكابه والضرر الناتج عنه، ومنها بعض نصوص قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات وقانون العقوبات.
ما عقوبة نشر صورة مزيفة لشخص؟
لا توجد عقوبة واحدة لكل الصور المزيفة. فقد تختلف العقوبة بحسب ما إذا كان النشر يمثل انتهاكًا للخصوصية أو مساسًا بالشرف والاعتبار أو تهديدًا أو ابتزازًا أو جريمة أخرى.
هل المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات تنطبق على الصور المزيفة؟
يمكن أن تنطبق بحسب ظروف الواقعة، خصوصًا أن المادة 25 تتناول نشر معلومات أو أخبار أو صور وما في حكمها تنتهك خصوصية أي شخص دون رضاه، سواء كانت صحيحة أو غير صحيحة.
ماذا لو كان الفيديو المزيف غير حقيقي؟
عدم حقيقة الفيديو لا يعني أن نشره مباح. بل إن كونه غير حقيقي قد يكون جزءًا من السلوك الضار، خصوصًا إذا تم تقديمه للجمهور على أنه حقيقي بقصد الإضرار بالضحية.
هل إنشاء الفيديو وحده يعاقب عليه؟
يتوقف ذلك على طبيعة الإنشاء ومضمونه والغرض منه وما إذا كان يتضمن سلوكًا مجرمًا وفق النصوص القانونية. لذلك لا يمكن اعتبار كل استخدام للذكاء الاصطناعي جريمة بمجرد استخدام التقنية.
ماذا أفعل إذا تعرضت للابتزاز بفيديو مزيف؟
احفظ الأدلة، ولا تحذف المحادثات، ولا تدفع الأموال، ولا تعيد نشر الفيديو، واستعن بمحامٍ متخصص لاتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة.
هل يمكن رفع دعوى تعويض؟
قد يكون من الممكن المطالبة بالتعويض عن الأضرار المادية والأدبية متى توافرت أركان المسؤولية المدنية وثبت الضرر وعلاقته بالفعل.
هل إعادة نشر الفيديو المزيف قد تسبب مسؤولية؟
نعم، بحسب علم الشخص بالمحتوى وطبيعة مشاركته والغرض من إعادة النشر والنتيجة التي ترتبت عليه، ولذلك يجب عدم التعامل مع إعادة النشر باعتبارها فعلًا محايدًا في جميع الأحوال.
أحكام النقض المرتبطة بالصور والتهديد والخصوصية
توجد مبادئ قضائية مهمة يمكن الاستفادة منها عند دراسة قضايا المحتوى الإلكتروني، حتى وإن لم تكن صادرة تحديدًا في وقائع Deepfake.
ومن أبرزها الطعن رقم 22620 لسنة 88 قضائية – جلسة 9 يوليو 2020، الذي قررت فيه محكمة النقض أن استخدام الوسائط الإلكترونية الحديثة في إرسال عبارات التهديد لا يحول دون تحقق جريمة التهديد متى توافرت أركانها.
كذلك جاء الطعن رقم 3956 لسنة 91 قضائية – جلسة 26 فبراير 2023 متناولًا جرائم مرتبطة باستعمال صور خاصة والتهديد بإفشاء أمور مخدشة بالشرف والتعدي على حرمة الحياة الخاصة وتعمد الإزعاج باستخدام أجهزة الاتصالات.
وفيما يتعلق بالمادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، أوضحت مبادئ النقض أن تقدير ما إذا كان المحتوى المنشور ينتهك الحياة الخاصة يرتبط بوقائع الدعوى وتقدير محكمة الموضوع، مع خضوع التكييف القانوني لرقابة محكمة النقض.
ويمكن الرجوع إلى بوابة محكمة النقض المصرية للبحث في المبادئ والأحكام الجنائية المنشورة رسميًا.
الذكاء الاصطناعي بين التطور التقني والحماية القانونية
لا شك أن الذكاء الاصطناعي يقدم فوائد كبيرة في مجالات التعليم والطب والإعلام والإنتاج والتصميم، لكن التكنولوجيا نفسها يمكن أن تستخدم بطريقة مشروعة أو إجرامية.
والتحدي القانوني الحقيقي لا يتمثل في محاربة التكنولوجيا، وإنما في ضمان ألا تتحول أدواتها إلى وسيلة للاعتداء على حقوق الآخرين.
ومن المتوقع أن تشهد السنوات المقبلة تطورًا تشريعيًا وقضائيًا أكبر في التعامل مع المحتوى الاصطناعي، خصوصًا مع ازدياد صعوبة التفرقة بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المنتج آليًا.
وفي المرحلة الحالية، يظل التعامل القانوني مع كل واقعة قائمًا على النصوص الموجودة وتكييف الفعل وفق ظروفه وأدلة إثباته.
لماذا تحتاج جرائم الـDeepfake إلى محامٍ متخصص؟
القضية التي يكون موضوعها صورة أو فيديو مزيفًا ليست قضية تقنية فقط.
هناك جانب جنائي يتعلق بتحديد الجريمة والعقوبة، وجانب إجرائي يتعلق بطريقة تقديم البلاغ وحفظ الأدلة، وجانب فني يتعلق بفحص الأجهزة والحسابات والمحتوى الرقمي، فضلًا عن الجانب المدني المتعلق بالتعويض عند تحقق الضرر.
ولهذا فإن الاستعانة بمحامٍ متخصص في الجرائم الإلكترونية والقضايا الجنائية يمكن أن تساعد في بناء الملف القانوني بصورة أكثر دقة.
ويأتي الدكتور عبد المجيد جابر المحامي بالنقض ومؤسسة حورس للمحاماة ضمن الجهات التي يمكن الرجوع إليها للحصول على استشارة قانونية متخصصة في القضايا التي تتعلق بالاعتداء على الخصوصية والتشهير والابتزاز والجرائم الإلكترونية.
لمزيد من المعلومات القانونية والخدمات، يمكن زيارة:
كما يمكن الاستفادة من المحتوى القانوني المنشور عبر: